الشنقيطي
141
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى ( 32 ) [ النجم : 32 ] ، ثم بعمل الطاعات قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ( 14 ) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [ الأعلى : 14 - 15 ] . واختلف في مرجع الضمير في زكاها ودساها ، وهو يرجع إلى اختلافهم في فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها [ الشمس : 8 ] ، فهل يعود إلى اللّه تعالى ، كما في وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها [ الشمس : 7 ] ، أم يعود على العبد . ويمكن أن يستدل لكل قول ببعض النصوص . فمما يستدل به للقول الأول قوله تعالى : بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ( 49 ) [ النساء : 49 ] ، وقوله : وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً [ النور : 21 ] ، وفي الحديث أنه صلى اللّه عليه وسلم كان يقول عند هذه الآية : « اللّهم أئت نفسي تقواها وزكها ، أنت خير من زكاها ، وأنت وليها ومولاها » « 1 » . ومما استدل به للقول الثاني فقوله : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ( 14 ) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [ الأعلى : 14 - 15 ] ، وقوله : وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ [ فاطر : 18 ] ، وقوله : فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى ( 18 ) وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى [ النازعات : 18 - 19 ] ، وقوله : وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى [ عبس : 3 ] ، وكلها كما ترى محتملة ، والإشكال فيها كالإشكال فيما قبلها . والذي يظهر واللّه تعالى أعلم : أن الجمع بين تلك النصوص كالجمع في التي قبلها ، وأن ما يتزكى به العبد من إيمان وعمل في طاعة وترك لمعصية ، فإنه بفضل من اللّه ، كما في قوله تعالى المصرح بذلك وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً [ النور : 21 ] . وكل النصوص التي فيها عود الضمير أو إسناد التزكية إلى العبد ، فإنها بفضل من اللّه ورحمة ، كما تفضل عليه بالهدى والتوفيق للإيمان ، فهو الذي يتفضل عليه بالتوفيق إلى العمل الصالح . وترك المعاصي ، كما في قولك « لا حول ولا قوة إلا باللّه » وقوله : فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ [ النجم : 32 ] ، وقوله : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ
--> ( 1 ) أخرجه عن ابن عباس : الطبراني في المعجم الكبير حديث 11191 ، وأخرجه عن زيد بن أرقم : مسلم في الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار حديث 73 ، والنسائي في الاستعاذة ، باب الاستعاذة من العجز ، وباب الاستعاذة من دعاء لا يستجاب .